سلسلة “المسيح يكسر الصليب بتصحيح المفاهيم” حلقة 10

شبهة حياة المسيح في السماء وعودته دَيّاناً للعالم

من أهمِّ شبهات القسس المنصِّرين ضد الإسلام هي أن المسيحَ ؑ حسب فهم المسلمين حَيٌّ في السماء، وهو أيضاً في فهْم المسلمين سيعود بنفسه ليحكم ويدين العالم، وهذا بقول القسس أعداء الإسلام دليلٌ واضح بأن المسيح الذي تقدمه الأناجيل هو نفسه الذي يقدمه القرآن ويشهد على ألوهيته التي يبررها القسس كما تناولنا ذلك في الحلقات الماضية لهذه السلسلة وكيفية ردّ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام على جميعها بالجواب الدامغ الناصر للإسلام ونبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهذه الشبهة هي أحد أهمّ أسس الصليب والتنصير، ولنأخذ ما نقله الكاتب المسيحي أنطوني ويلسن ضمن مناظرة جرت بين البابا شنودة وأعضاء الجماعات الإسلامية حيث يقول البابا:

من هو المسيح؟ أهو الذي مات ودُفن في قبر وقبره موجود عندنا حتى الآن وعظامه موجودة أيضاً؟ (يقصد النبي ﷺ) … رفات نبي الإسلام موجودة في المدينة بينما المسيح صعد إلى السماء … وإلا كان أولى أن يصعد نبي الإسلام للسماء لأنه أفضل خلق الله وأحسن خلقه، أيُعقَل أن يصعد رقم 2 أو 3 ولا يصعد رقم 1 … لأجل هذا نجد المسيح في السماء. … هل المسيح أم نبي الإسلام هو الذي سيأتي ليدين العالم؟ الإسلام بيقول: يا أيها الذين آمنوا لا تأتي الساعة حتى يقف ويُنادى بينكم أن عيسى بن مريم ديان العالمين. … دعوني أسألكم سؤالاً: من الذي يدين؟ من له حق الدينونة؟ لاشك أنه الله.” (موقع الأقباط متّحدون)

ويستند البابا شنودة في كلامه على حديث النبي ﷺ: “لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا.” (متفق عَلَيهِ، صحيح البخاري برقم 2344، ومسلم برقم 406)

فكان ردّ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام قاطعاً بأن هذه العقيدة أي حياة المسيح في السماء لا تمت للإسلام بصلة، فيقول حضرته:

البيِّن أن القرآن الكريم يعارض هذه الفكرة وآية: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، وآية ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ وآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾، وآية ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾. وجميع الآيات الأخرى التي ذكرناها في كُتبنا تبرهن قطعا على أن عيسى عَلَيهِ السَلام قد توفي وأن إنكار موته إنكار القرآن الكريم. وبعد ذلك ليست ثمة حاجة إلى أن نبحث عن الدليل على وفاته من الحديث. لكننا مع ذلك حين نلقي نظرة على الأحاديث يتبين لنا أن قدرا كافيا من الأحاديث يذكر أن عيسى ؑ عاش مائة وعشرين عاما، والتي ذُكر فيها أنه “لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي”، والتي كُتب فيها أن عيسى يعد من الأرواح الميتة. فجميع أحاديث المعراج الواردة في البخاري تشهد على أن عيسى ؑ شوهد ليلة المعراج ضمن الأرواح الميتة. وأكبر دليل يعثر عليه في الأحاديث إجماع الصحابة على أن جميع الأنبياء السابقين -بمن فيهم عيسى ؑ أيضا- قد ماتوا كلهم. وهذا الإجماع الذي لم يخرج منه أي صحابي مذكور في البخاري. فطالب الحق الذي يخاف الله ﷻ ليس بحاجة لإثبات أكثر عن وفاة المسيح.” (التحفة الغولروية، ص 245-247)

أما عن عودة المسيح بنفسه فيقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام:

قد اعترفَ عيسى نفسه في الإنجيل بأن بعثته الثانية ستكون بروزا لا على وجه حقيقي، وذلك الاعتراف هو: “وَسَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ: “فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلاً؟” فَأَجَابَ يَسُوعُ: “إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ. وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الْإِنْسَانِ أَيْضاً سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ” (أي عند بعثته الثانية) -إنجيل متى 17:9-13. لقد صرَّحَ المسيح ؑ في هذه الآيات بكلمات واضحة بأن بعثته الثانية أيضا على شاكلة بعثة إلياس. فلما كان المسيح ؑ قد ذكر بعثته الثانية مرارا أمام حوارييه كما يتبين من إنجيل متّى هذا نفسه، فقد أراد أن يكشف حقيقة بعثته الثانية أيضا بذكر البعثة الثانية لإلياس. فأخبر أن بعثته الثانية أيضا ستكون على شاكلة بعثة إلياس الثانية، أي في صورة البروز حصرا. فكم من الظلم أن المسيح يصف بعثته الثانية بروزية، ويقول صراحة بأنه لن يعود شخصيا، بل سوف يأتي أحدٌ آخر على خلقه وسيرته، لكن المشايخ وبعض النصارى يزعمون أنه سيعود نفسه في الحقيقة إلى هذا العالم.” (التحفة الغولروية، ص 245-247)

ويوضّح حضرة المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام معنى البعثة الثانية الذي قاله المسيح عَلَيهِ السَلام في الإنجيل، فيقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بأن تفسير عودة المسيح بنفسه وحياته في السماء هي مجرد مفاهيم مغلوطة عند النصارى، فيضرب لهم حضرته مثالاً مماثلاً من سيرة المسيح عَلَيهِ السَلام وهي عودة إيليا الواردة في الكتاب المقدس قبل نزول المسيح كعلامة على المسيح الحقيقي، فيقول حضرته:

لقد تنبأت الكتب الإلهية المقدسة أن بعض الأنبياء السابقين سيُبعثون مرة أخرى إلى هذا العالم، وتحققت تلك النبوءات عندما بُعث نبي آخر، أخبر النبي الموجود في زمنه أن هذا المبعوث هو نفس الذي وُعدت بعثته الثانية، فالغريب في الأمر أنه ما قيل إنه مثيل ذلك النبي السابق بل قيل إن الذي وُعد بمجيئه ثانيةً قد جاء نفسه إلى العالم. فكان هناك وعدٌ مثلاً بأن إلياس النبي سيُبعث مرة أخرى إذ كان النبي ملاخي قد تنبأ في صحيفته أنه سيُبعث من جديد. وقال عيسى ؑ إن إلياس الذي وُعد بمجيئه مرة أخرى هو يوحنا أي يحيى ؑ كما يقول عيسى في إنجيل متى، الإصحاح 17، العبارة: 10- 13 أن إلياس قد جاء في العالم ولكن الناس ماعرفوه وبَيَّنَ المسيح أن المراد منه هو النبي يحيى أي هو إلياس نفسه. فهذه النبوءة صارت دقيقة جدا، إذ أصبح النبي يحيى الذي يدعى يوحنا أيضا إلياس. فلو كان ذُكر في النبوءة أن مثيلَ إلياس سيأتي لكان التفسير معقولا، لكنه لم يرد في سِفر ملاخي أن مثيل إلياس سيأتي، بل ورد أن إلياس النبي نفسه سيأتي مرة أخرى. والمسيح ؑ أيضا حين واجه الاعتراض بأنه كيف جاء المسيح قبل نزول إلياس -كما ورد في الإنجيل- لم يستخدم كلمة مثيل، بل قد ورد في إنجيل متى الإصحاح 17 أن إلياس قد بُعث، إلا أن هؤلاء لم يعرفوه.” (التحفة الغولروية، الحاشية، ص 264)

ثم يزيد حضرته عَلَيهِ السَلام موضوع المثيل تفصيلاً فيقول بأن المسيح ؑ هو أول من ردَّ على الفهم الخاطئ لبعثة النبيين الثانية وقدّم المعنى الصحيح أي بعثة مثيل النبي، وأن المسيحيين اليوم للأسف يتّبعون سيرة اليهود الذين رفضوا المسيح عَلَيهِ السَلام لنفس النكتة أي عودة النبي بنفسه ويرفضون المثيل لورود النصوص الحرفية وعدم ورود كلمة المثيل، فيقول حضرته:

هذه المعاني قد فنَّدها المسيح ؑ نفسه، وقال إن المراد من إيليا هو يوحنا النبي الذي جاء على سيرته وطبعه. فاليهود إلى الآن يثيرون ضجة أن سِفر ملاخي تنبأ صراحةً بعودة النبي إيليا قبل مجيء المسيح، لكن المسيحَ أوَّلَ هذا النص الواضح ليُعَد صادقا، وهو يتفرَّد بهذا التأويل، إذ لم يقُم بهذا التأويل أي نبي أو ولي أو فقيه قَطّ. وهُم لم يقولوا بأن المراد من إيليا هو يحيى النبي، بل قد آمنوا بظاهر النص وظلوا ينتظرون نزول إيليا من السماء من جديد، فهذا كذب لجأ إليه عيسـى لمصلحته الشخصية فقط ! فقولوا الآن: أصادقون اليهـود في هـذا الاتهام أم كاذبون؟ هم يعدّون أنفسهم صادقين، ويحتجّون بأنهم لم يُخبَروا في كتاب إلهي أن مثيل إيليا سيأتي، وإنما أُنبئوا بأن إيليا نفسه سيُبعث مرة أخرى إلى العالم، أما المسيح ؑ فقدَّم حجةً بأنه هو الذي اُرسلَ حَكَماً، وهو تلقى العلم من الله ﷻ ولم يقل من عنده شيئا، لهذا فتأويله هو الصواب. .. فقولوا ما هو الفرق بين تصريحكم بحق المسيح الموعود الأخير وبين تصريح اليهود بحق المسيح الموعود في زمنهم؟ … فإذا كان المسيح عَلَيهِ السَلام قد أوَّلَ البعثة الثانية لإيليا أن شخصـا آخـر سيُبعث على سيرته، فليس لكم حق أن تدَّعوا -إهمالا لحكم نَبِيّ- بأن عيسـى عَلَيهِ السَلام نفسه سيأتي الآن.” (التحفة الغولروية، ص 66-68)

ويؤصِّلُ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لمعنى المثيل من الكتاب المقدس فيقول بأن المثيل ورد في أصل الكتاب ليشير إلى دور الإنسان وهو الخلافة أي أن يصبح مثيل الله تعالى أي مثالاً للتربية الإلهية في الأرض، وكيف أن الحيّة التي تتصف بالتلوي أي السلوك غير المباشر كبعض النساء الغواني والتي أغوت آدم وزوجه عَلَيهِ السَلام هذه الحيّة هي الدجال الذي سيقتله مثيل آدم عَلَيهِ السَلام (أي المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام) في الألف السادس، وهي الفترة نفسها التي خُلق فيها آدم (الإنسان) في مراحل الخلق. ولنترك حضرته عَلَيهِ السَلام يبيَّنَ بأسلوبه الجميل:

ورد عن آدم في الإصحاح الأول: 26: “نَعمَلُ الإنسانَ على صورتنا كَشَبَهِنا“. ثم ورد في سفر دانيال الإصحاح 12: عندئذ سينهض ميخائيل (ومعناه مثيل الله) ذلك السيد العظيم القائم لتأييد أبنائك. (أي سيُبعث المسيح الموعود في الزمن الأخير)، فميخائيل، أي مثيل الله، هو في الحقيقة اسم آدم في التوراة. وقد أشير إلى ذلك في الحديث النبوي أيضا حيث ورد: إن الله خلق آدم على صورته. فمن هنا تبيَّنَ أن المسيح الموعود سيظهر على صورة آدم، ولهذا خُصصت له نهاية الألف السادس لأنه بمنزلة اليوم السادس، أي كما خُلق آدم في نهاية اليوم السادس كذلك قُدرت ولادةُ المسيح الموعود في نهاية الألف السادس. وكما ابتُلي آدم بالـناحاش الذي يسمى في العربية بالخناس والذي اسمه الآخر الدجال، كذلك قد خُلق مقابل هذا الآدم الأخير ناحاشٌ ليُطمِّع الناس -الذين في مزاجهم أنوثةٌ- في الحياة الأبدية كما كانت الأفعى التي سميت في التوراة بالـناحاش -وفي القرآن بالخناس- قد طَمَّعت حواء. لكنه قد قُدر هذه المرة أن هذا الآدم سيغلب ذلك الناحاش. باختصار؛ قد ظهر صراع مرة أخرى بين آدم والناحاش الآن في نهاية الألف السادس. وهذه المرة لن تقدر الأفعى القديمة على اللدغ كما كانت قد لدغت حواَء سابقا، لتُناول آدم نصيبا من السم. بل يأتي زمن يلعب فيه الأولاد مع هذه الأفعى، ولن تقدر على إلحاق الضرر. لقد أشار القرآن الكريم إشارة لطيفة حين أنهى سورة الفاتحة على “الضالين” والقرآنَ على “الخناس” ليفهم العاقل أن هذين الاسمين واحد في الحقيقة والروحانية.” (التحفة الغولروية، الحاشية، ص 228)

ثم يبيّن عَلَيهِ السَلام للنصارى بعد إثباته موت المسيح عَلَيهِ السَلام في القرآن الكريم والحديث الشريف ومعنى المثيل وتأصيله، يبيّن بأن المسيح الموعود أو البعثة الثانية للمسيح أو كما يحلو للنصارى تسميته بعودة المسيح إنما هو مثيله من أمة النبي مُحَمَّدٍ المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقول عَلَيهِ السَلام:

والمرحلة الثانية الآن بعد موت المسيح … أن المسيح الموعود يجب أن يكون من هذه الأمة حصرا … من جملة الأدلة التي تبرهن على أن المسيح القادم الذي وُعد بمجيئه في هذه الأمة سيكون رجلا من هذه الأمة نفسها، حديث البخاري ومسلم؛ حيث ورد فيهما “إمامكم منكم” و”أمَّكم منكم”؛ أي سيكون إماما لكم وسيكون منكم حصرا. … على ذلك. .. فغاية القول: إن الحديث “إمامكم منكم” يعني أن المسيح القادم ليس إسرائيليا البتة، بل هو من هذه الأمّة حصرا، كما يدل على ذلك ظاهر النص، أي: إمامكم منكم. … وإن المعنى الحرفي لـ”إمامكم منكم” يقتضي أن يولد ذلك الإمام في هذه الأمة حصرا.” (التحفة الغولروية، ص 84-88)

أما كونه ديّاناً أو حَكَماً عادلاً فيجيب المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام:

…. حَكَماً عدلاً”: أي سيحكم بالعدل في كل أمر مختلف فيه بينكم، وسيميّز بين أهل الحق والباطل. ولكونه حَكَما؛ سيكسر الصليب ويقتل الخنـزير ويحكم في القضايا الجدلية. وقوله ﷺ: “كيفَ أنْتُم إذا نَزَلَ ابنُ مَريَم فِيكُم وإمامكُم مِنكُم.” (صحيح البخاري: كتاب الأنبياء). أي ما أدراكم مَن ابن مريم؟ إنه إمامكم وسيكون منكم يا أمّتي. ربما فهمتم ما يشير إليه الإمام البخاري بكلمة: “إمامكم منكم”، والعاقل تكفيه الإشارة.” (إزالة الأوهام، ص 213)

ويردف حضرته فيقول:

فلكل عاقل أن يدرك مِن كلمتَي “الحَكَم” و”العَدْل” أن المسيح سيحكم بالحق والعدل، وذلك على عكس فهم الكثيرين وأفكارهم. وكما يسخط الناس قليلو الفهم عادة من الحَكَم العَدْل، كذلك يسخطون من المسيح أيضا. فلقد جئتُ أنا أيضا حَكَما عَدْلا، وبَيّنتُ بطلان الأوهام الباطلة كلها. كان الناس من قبل يظنون أن المسيح ابن مريم النبي الناصري الذي مات من قبل؛ سيعود بنفسه إلى الدنيا. فقد صَحَّحتُ خطأهم هذا، وصَدَّقتُ الذين كانوا يعتقدون بموت المسيح من المسلمين، وكذلك فرقة الموحّدين من المسيحيين إذ يعتقدون بأن المسيح مات ولن يعود إلى الدنيا. وبيَّنتُ أيضا أن موت المسيح ثابت من ثلاثين آية في القرآن الكريم. بل الْحَقُّ أنه ما من نبي ذُكر موته في القرآن الكريم بالصراحة التي ذُكر بها موت المسيح ابن مريم. وهذا ما أستطيع إثباته من القرآن الكريم بكل تحَدٍّ. وبعد إثبات موت المسيح، قد أثبَتُّ حقيقة الوعد بأنه حين تصل أيام الأمة المحمدية إلى القرن الرابع عشر، سوف يمُنُّ اللهُ تعالى على أمة مثيل موسى الغافلة أيضا في زمنها الأخير -كما مَنَّ على أُمَّة موسى ؑ في زمنها الأخير -وسيرسل من هذه الأمة نفسها أحدا بصفة المسيح ابن مريم، فسيأتي من المسلمين أنفسهم كما أتى ابن مريم الإسرائيلي من بني إسرائيل أنفسهم.” (إزالة الأوهام، ص 508-509)

ثم يُبين حضرته عَلَيهِ السَلام:

يا أيها المتنصرون؛ ما كان عيسى إلا عبد من عباد الله، قد مات ودخل في الموتى، فلا تحسبوه حيا، بل هو ميت، ولا تعبدوا ميتا وأنتم تعلمون. يا أيها السادة المسيحيّون؛ لو قرأتم هذا الكتاب: “إزالة الأوهام” بتعمق، لتبين لكم بأدلة واضحة أن عيسى عَلَيهِ السَلام ليس حيا الآن، بل قد مات وانضم إلى أسلافه من المتوفِّين. غير أن الحياة الروحانية التي نالها إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل -ونالها بصورة أعلى وأفضل من الجميع؛ سيدنا ومولانا محمد المصطفى ﷺ من حيث الرفع الروحاني- قد أُعطيها نفسها عيسى ؑ. لا يوجد في الكتاب المقدس أدنى دليل على أن المسيح ابن مريم نال حياة نادرة، بل إن الأنبياء كلهم مشتركون في مستلزمات تلك الحياة، غير أن النبي ﷺ يحتل المكانة الأقرب إلى الله من حيث الرفع. فيا أيها السادة النصارى؛ لا تصروا الآن ولا تتعنتوا بغير حق. كان المسيح عبدا متواضعا قد مات وانضم إلى الأموات. فَخَيرٌ لكم أن تتقوا الله ولا تسيئوا عاقبتكم بتأليهكم مخلوقا متواضعا. تأملوا قليلا؛ بماذا يتفوق المسيح على غيره في العالَم الآخر؟ ألا يشهد الإنجيل أن إبراهيم حَيٌّ، بل “لعازر” أيضا؟ فبماذا يفوق المسيح لعازر من حيث حياته؟ لو ألقيتم نظرة فاحصة على الأسفار لاضطررتم للاعتراف بأنه عَلَيهِ السَلام لا يتميز عن غيره بشيء. وإذا أردتم أن تناقشوني في هذا الموضوع فإني أقول -حلفا باالله الذي نفسي بيده- بأني لو غُلبتُ، لدفعتُ بقدر استطاعتي أيّ غرامة تقترحونها أنتم، بل إني مستعد لأن أضحّي بحياتي أيضا في هذا السبيل. لقد كشف اللهُ علي أن عيسى بن مريم قد مات حقا، وانضم إلى جماعة الأنبياء الأموات. فتعالَوا وأسلِموا، واختاروا دينا يُعبد فيه حَيٌّ لا يموت ولا يعبد ميتٌ، وباتّباع هذا الدين الكامل يمكن لكل محبٍّ صادق أن يصبح المسيح ابن مريم بنفسه. والسلام على من اتبع الهدى.” (إزالة الأوهام، ص 677-678)

وبهذا يكسر المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام أرجل الصليب ويقيم العدل الذي لا يدعو لقتل بريء فداء للآخرين وينسبه إلى الله تعالى ظلماً فيصبح مبرراً لقتل الآخرين باسم الله ﷻ بل إن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام هو خادم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشريعة القرآن المجيد.

وَآخِرُ دَعْوَانْا أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

الأستاذ فراس علي عبد الواحد

About الأستاذ فراس علي عبد الواحد

View all posts by الأستاذ فراس علي عبد الواحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *