المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية ..188

نكتة الخطأ في جملة الصلة وضميرها

الاعتراض:

يقول المعارضون بخطأ المسيح الموعود عليه السلام في العبارات التالية:

  1. أتعظّمون الكتاب الذي مملوء من المنكرات” (نور الحق، ص 107).
  2. لأن الأمر الذي مُثْبَتٌ عند أولي العرفان هو أن الله خلَق الإنسان ليُدخِله في المحبوبين” (نور الحق، ص 137).
  3. وإلى هذا يشير اللام الذي موجود في: {اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (كرامات الصادقين، ص 96).
  4. وكفى لبطلانه الحديثُ الذي موجود في البخاري.. أعني “يضع الحربَ” (نور الحق، ص 41).
  5. ما أرى مثل هذا الذكر الصريح ثابت بالتحقيق الذي مخصوص بالصدّيق” (سر الخلافة، ص 31).
  6. وكذلك نرى في عمل الإبرة الذي مبني على خميرِ مادةِ مجدَّرٍ فإنه يُبدي آثار الجُدري في المعمول فيه (نور الحق، ص 8).
  7. وكلّ هذه الكلمات موجودة في جرائده التي موجودة عندنا في اللسان الإنكليزية” (الاستفتاء، ص 90).
  8. فهو البروز الذي ثابت في سُنن الرحمن” (مكتوب أحمد، ص 40).
  9. وهذا فعل الله الذي قادر على كل شيء” (التبليغ، ص 118).
  10. ثم اعلم أن الأحاديث التي مشتملة على الأمور الغيبية” (نور الحقّ، ص 148).
  11. فإن الذي محتاج إلى الحركة لإتمام الخطة، فلا شك أنه محتاج إلى صرف الزمان لقطع المسافة” (سر الخلافة، ص 111)
  12. والدّين الذي قائم على خشبٍ لا حاجة إلى تحقيقه” (الاستفتاء، ص 2).

ويقولون بأن الخطأ متعلق بالاسم الموصول الوارد فيها: (الذي والتي)، حيث إن حضرته عليه السلام قد حذف جملة الصلة أو الضمير العائد فيها على الاسم الموصول، رغم أن هذه أمور أساسية يحتاج إليها الاسم الموصول.

ويقولون أنه كان على المسيح الموعود عليه السلام في كل هذه العبارات إما أن يستعمل (أل الموصولة) بدلا من (الذي والتي)، أو أن يأتي بالضمير العائد كما يلي:

على سبيل المثال في الجملة التاسعة كان عليه أن يقول:

  • وهذا فعل الله القادر على كل شيء”.
  • وهذا فعل الله الذي هو قادر على كل شيء”.

الردّ:

لا خطأ وارد في كل هذه العبارات بل كلها صحيحة وفصيحة لا شك في صحتها، وإنما الاعتراض نابع من جهل المعارضين المدقع في اللغة. فالحقيقة أن كل هذه العبارات تحتوي على جملة الصلة إلا أن المسيح الموعود عليه السلام قد حذف منها متعمدا الضمير العائد، وما ذلك إلا لجواز هذا الأمر. حيث إن المصادر النحوية تقرّ بأن حذف العائد جائز بشروط معينة. ففي هذا الصدد يقول النحو الوافي ما يلي:

لا بد لكل موصول من صلة، فإن كان اسميًّا وجب أن تشتمل صلته على رابط؛ هو: الضمير، أو ما يقوم مقامه، كما أسلفنا. وهذا الضمير الرابط قد يكون مرفوعًا؛ مثل “هو” في نحو: خير الأصدقاء مَنْ هو عَوْنٌ في الشدائد … أو منصوبًا، مثل “ها” في نحو: ما أعجبَ الآثار التي تركها قدماؤنا، أو مجرورًا؛ مثل: “هم” في نحو: أصغيتُ إلى الناصحين الذين أصغيتَ إليهم.

والرابط فى كل هذه الصور -وأشباهها- يجوز ذكره في الصلة كما يجوز حذفه، بعد تحقق شرط عام، هو: وضوح المعنى بدونه، وأمن اللبس “ومن أهمّ مظاهر أمن اللبس ألا يكون الباقي بعد حذفه صالحًا صلة“.

غير أن هناك شروطًا خاصة أخرى تختلف باختلاف نوع الضمير يجب تحققها قبل حذفه، سواء أكان اسم الموصول هو “أيّ” أم غيرها. وفيما يلي التفصيل:

أ- إن كان الضمير الرابط مرفوعًا لم يجز حذفه إلا بشرطين: أن تكون الصلة جملة اسمية، المبتدأ فيها هو الرابط، وأن يكون خبره مفردًا (أي ان لا يكون جملة ولا شبه جملة). كأن يسألك سائل.

كيف نُفَرّقَ بين ماء النهر وماء البحر؟ فتجيب: الأنهار التي عذبةُ الماء، والبحار التى مِلْحيَّة الماء. تريد: الأنهار، التي هي عذبة الماء، والبحار التي هي ملحيةُ الماء. ومثل: أن يسأل: ما أوضحُ فارق بين النجم والكوكب؟ فتقول: النجم الذى مضيءٌ بنفسه، والكوكب الذي مستمِدٌ نورَه من غيره. أي: النجم الذي هو مضيء بنفسه … والكوكب الذي هو مستمد …

فإذا استوفى الضمير المرفوع الشرطين الخاصّين ومعهما الشرط العام جاز حذفه، والأحسن عند الحذف أن تكون صلته طويلة “أى: ليست مقصورة عليه وعلى خبره المفرد، وإنما يكون لها مُكَملات؛ كالمضاف إليه، أو المفعول، أو الحال، أو النعت، أو غير ذلك … “، نحو: نزل المطر الذي مصدر مياه الأنهار، ونحو برعتْ مصانعنا التي الرجاء العظيم. أو التي رجاؤنا في الغنى قريبًا … ونحو: اشتد الإقبال على التعليم الذى كفيل بإنهاض الفرد والأمة …

ويجوز أن نقول: نزل المطر الذي حياة، وبرعتْ مصانعنا التي الأمل، واشتد الإقبال على التعليم الذي سعادة.

والأساليب العالية لا تَجْنَح كثيرًا إلى حذف العائد المرفوع؛ فإن جنحت إليه اختارت -في الغالب- طويل الصلة.”  النحو الوافي (1/396 – 394)

إذن، ما يهمنا في حديث النحو الوافي هو جواز حذف العائد إذا كان مرفوعا، وذلك لأنه في كل العبارات المعترض عليها أعلاه من كلام المسيح الموعود عليه السلام جاء الضمير العائد على الاسم الموصول مرفوعا، ولا يهمنا الحديث عن حذفه في حالة النصب والجر.

ونرى بأن النحو الوافي يقر بجواز حذف الضمير العائد المرفوع بشروط، هي:

  • وضوح المعنى وأمن اللبس بعد حذفه
  • أمن اللبس هذا يتحقق بالذات إذا كان ما تبقى من الكلام بعد حذف العائد، لا يصلح أن يكون صلة بنفسه.
  • أن تكون الصلة جملة اسمية مبتدؤها هو الضمير العائد
  • أن يكون الخبر في جملة الصلة الاسمية هذه مفردا، أي أن لا يكون جملة أو شبه جملة. وذلك لأن الخبر المفرد المتبقي بعد حذف الضمير العائد لا يصلح أن يكون صلة بنفسه،  ويدل على المحذوف ويرشد إليه؛ كما يقتضيه شرط أمن اللبس.
  • ومن الأفضل أن تكون الصلة عند الحذف طويلة غير مقتصرة على المبتدأ والخبر فقط– رغم جواز ذلك-؛ كأن تحوي نعتا أو مضافا أو حالا أو مفعولا أو ما شابه..
  • مثال ينطبق عليه كل هذه الشروط: “جاء الذي هو عالمٌ أسرارَ لغته” . فيجوز الحذف فيها والقول: “جاء الذي عالمٌ أسرارَ لغته”
  • وكل هذه الشروط نراها منطبقة على عبارات المسيح الموعود عليه السلام المعترَض عليها. ففيها كلها تتحقق الأمور التالية:
  • الضمير العائد المحذوف مرفوعا تقديره (هو) أو (هي)
  • جملة الصلة اسمية مبتدؤها المرفوع هو الضمير العائد المرفوع، والخبر فيها مفرد وجملة الصلة طويلة غير مقتصرة على المبتدأ والخبر فقط، مما يتماشى مع الأساليب البلاغية العالية، و يجعل الجمل ليست صحيحة فحسب بل عالية فصيحة وبليغة.
  • وفي كل هذه الفقرات قد أمِن اللَّبس وتحققت الشروط المجيزة لحذف العائد.

وفي الهامش يزيدنا  النحو الوافي من الشعر بيتا أو بعض أبيات في تفصيل وشرح المسألة، فيفسر سبب وجوب كون الخبر في الصلة مفردا، ثم يذكر شروطا تفصيلية أخرى لجواز هذا الحذف، والتي لا نجد واحدا منها مخالفا لفقرات المسيح الموعود عليه السلام، فكل هذه الشروط منطبقة انطباقا تاما على هذه الفقرات؛ فيقول:

لأن الخبر المفرد لا يصلح أن يكون صلة بعد حذف المبتدأ، وأيضًا لأنه يدل على المحذوف، ويرشد إليه، هذا ويختلف معنى الإفراد باختلاف موضوعات النحو، فيراد به في موضوع الخبر: ما ليس جملة، ولا شبه جملة. وقد اقتصرنا على أهم الشروط لحذف العائد المرفوع. وهناك شروط أخرى لحذفه، منها ألا يكون معطوفًا، مثل: رأيت الذي حامد وهو صديقان. فالمعطوف هنا ليس مبتدأ  ولكنه معطوف على المبتدأ، فهو في حكمه. وحذف المعطوف يؤدي إلى بقاء الحرف العاطف بدون المعطوف، وهو ممنوع -إلا في مسائل ممدودة، “سردناها في- ج3 باب: “العطف” وهي غير التي نحن بصددها”. كما يؤدي حذف العاطف والمعطوف معًا، إلى إظهار الكلام بصورة الإخبار بالمثنى عن المفرد، وهي صورة معينة في مظهرها، كما يقولون!!.

ومنها: ألا يكون معطوفًا عليه، نحو: تكلم الذي هو وحامد عالمان، كي لا يقع حرف العطف في الصدارة، وفوق ذلك ليس له معطوف عليه ظاهر، ولكيلا يقع المثنى خبرًا عن مفرد، في الصورة الظاهرية إن حذف حرف العطف مع الضمير للرابط، وهو أمر يستقبحونه من حيث الشكل والمظهر – كما سبق.

ومنها: ألا يكون بعد “لولا” نحو: حضر الذي لولا هو لخرجت، لوجوب حذف الخبر العام بعد “لولا” فأصل الكلام….. لولا هو موجود، فإذا حذف معه المبتدأ كان الحذف كثيرًا مجحفًا، لشموله الجملة كاملة.

ومنها: ألا يكون بعد حرف نفي، نحو، سكت الذي ما هو جاهل.

ومنها: ألا يكون محصورا بإلا أو إنما، نحو: كتب الذي ما في الغرفة إلا هو، أو: كتب الذي إنما في الغرفة هو: فمجموع الشروط سبعة.

ومن الأمثلة الواردة قراءة من قرأ قوله تعالى: {تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَن} أي: الذي هو أحسن وما حكاه سيبويه عن الخليل: “ما أنا بالذي قائل لك وسوءًا” أي: بالذي هو قائل: وقو الشاعر:

لم أر مثل الفتيان في عقب الأيـ … ـام ينسون ما عواقبها

أي: ينسون الذي هو عواقبها، على اعتبار “ما” موصولة والعقب: الشدائد المفرد: عقبة.

وإذًا لا يصح الحذف في الحالات الآتية:

أ- أن تكون الصلة جملة فعلية، أو شبه جملة، مثل: أشرق الذي يملأ نوره الفضاء. ومثل: سقي النهر النبات الذي في الحقول؛ لأن كل منهما صالح لأن يقع بنفسه صلة، مع خلوه مما يدل على أن هناك مبتدأ محذوفا بخلاف الخبر المفرد، فإنه غير صالح أن يكون صلة؛ ولأنه يشعر بحذف المبتدأ، كما سبق.

ب- أن تكون الصلة جملة اسمية لكن الرابط فيها ليس مبتدأ، مثل: يتحرك الكوكب الذي  إنه القمر؛ لأن الرابط فيها اسم “إن” المنصوب. ومثل: يتحرك الكوكب الذي شكله مستدير؛ لأن الرابط مجرور بالإضافة، فليس مبتدأ….

ج- أن تكون الصلة جملة اسمية، الرابط فيها مبتدأ ضمير، ولكن خبره ليس بمفرد: بأن يكون الخبر جملة فعلية، مثل: دهشت من القرود التي هي “تحاكي الإنسان”. أو جملة اسمية، مثل: دهشت من القرود التي هي حركاتها كحركة الإنسان. أو شبه جملة، مثل: دهشت من التي هي أمامك. فكل ذلك لا يجوز فيه حذف الرابط؛ لأن الخبر يصلح أن يكون صلة بعد حذف المبتدأ الرابط، وليس في الخبر ما يدل على المحذوف. بخلاف المفرد؛ لأنه لا يصلح أن يكون صلة، ولأنه يشعر بحذف المبتدأ، كما عرفنا.” [النحو الوافي (1/ 396-394)]

وما يهمنا في كل هذا التفصيل المسهَب في النحو الوافي هو:

  • أن كل هذه الشروط منطبقة على فقرات المسيح الموعود عليه السلام.
  • أن حذف العائد المرفوع وارد في القراءات القرآنية، كقراءة الآية التي تقول: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} (الأَنعام 155) حيث جاءت في قراءة أخرى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ} (الأَنعام 155) بحذف العائد على تقدير: تماما على الذي هو أحسنُ.
  • مثّل على هذا الحذف بأقوال جهابذة النحو، سيبويه والخليل بنقل الأول عن الثاني قوله: “ما أنا بالذي قائل لك وسوءًا” بتقدير: “ما أنا بالذي هو قائل لك وسوءًا”.

وقد مثل النحو الوافي لهذا الحذف بالعديد من الأمثلة منها :

  1. نزل المطر الذي مصدر مياه الأنهار
  2. برعتْ مصانعنا التي الرجاء العظيم. أو التي رجاؤنا في الغنى قريبًا
  3. اشتد الإقبال على التعليم الذى كفيل بإنهاض الفرد والأمة
  4. نزل المطر الذي حياة
  5. برعتْ مصانعنا التي الأمل
  6. اشتد الإقبال على التعليم الذي سعادة

الخلاصة والنتيجة:

حذف العائد المرفوع في جملة الصلة جائز صحيح فصيح وبليغ، وفق الشروط المذكورة. كل ذلك بإقرار جهابذة النحو مثل سيبويه والخليل وعباس حسن، ومثيله وارد في القراءات القرآنية كما بيّنا. ومن هنا تثبت صحة وفصاحة لغة المسيح الموعود عليه السلام في كل عباراته التي اعترض عليها المعارضون؛ حيث إناها تحوي جملة الصلة الاسمية بحذف مبتدئها العائد على الاسم الموصول جوازا.