المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية ..189

نكتة الخلط بين (مَن) الشرطية و(مَن) الموصولة

جواز تقدم جواب الشرط على أداة وفعل الشرط حسب المذهب الكوفي

الاعتراض:

يدّعي المعارضون الخطأ في العبارة التالية من كلام المسيح الموعود عليه السلام، حيث قال حضرته عليه السلام:

1: فليسمعْ من يكُنْ له أُذُنان (الخطبة الإلهامية، ص 76)

وموضع الخطأ وفق زعمهم هو في جزم الفعل المضارع (يكنْ) واعتبار (مَن) التي سبقته أداة جزم شرطية، رغم كونها (مَن) الموصولة (اسم الموصول) ويجب رفع الفعل المضارع بعدها، لتكون الصياغة الصحيحة للجملة على حدّ زعمهم: فليسمع من يكونُ له أذنان.

الردّ:

هذه الجملة لا خطأ وارد فيها، وذلك لتجويز المذهب الكوفي تقدّم جملة جواب الشرط على إداة الشرط وفعل الشرط، واعتبارهم (مَن) فيها أنها شرطية وليست موصولة، فيبقى الفعل المضارع في فعل الشرط بعدها مجزوما.

كل هذا يعود إلى مبحث متعلق في أمرين أساسيين من أحكام جملة جواب الشرط وشروطها، وهما:

الأول: مسألة تقديم وتأخير جملة جواب الشرط على أداة وفعل الشرط.

والثاني:  مسألة حذف جملة جواب الشرط وكيفية حدوث هذا الحذف وشروطه.

ولتبسيط المسألة نأخذ جملة المسيح الموعود عليه السلام كمثال موضِّح لهذه القوانين.

 وفق المذهب البصري :

لا يجوز تقدم جملة جواب الشرط على أداة الشرط وفعله إلا بشروط معينة لا تعنينا لأنها غير متحققة في فقرة المسيح الموعود عليه السلام المذكورة. وكذلك لا يجوز حذف جملة جواب الشرط إلا بشرطين، 1: إذا دلّ عليها دليل يسبق جملة الشرط أو يكتنفها أو يتأخر عنها و2: أن يكون بهذه الحالة فعل الشرط ماضيا لفظا ومعنى أو معنى فقط. أما إذا كان فعل الشرط مضارعا فيجوز هذا الحذف فقط إذا كان الدليل على الجواب المحذوف متأخرا عن جملة الشرط وليس متقدما عليها.  فعند البصريين لا يجوز هذا الحذف إذا كان فعل الشرط مضارعا، مع كون الدليل على الجواب المحذوف متقدما على جملة الشرط، ففي هذه الحالة لا بد من اعتبار أدوات الشرط ( من، ما، أي) أسماء موصولة مع رفع المضارع بعدها.

وعليه، فوفق المذهب البصري لو اعتبرنا (مَن) أداة شرط في جملة المسيح الموعود عليه السلام المعترض عليها: “فليسمعْ من يكن له أُذُنان”  لكان جواب الشرط محذوفا دلّ عليه جملة (فليسمع) التي سبقت جملة الشرط؛ ووجب أن يكون في هذه الحالة فعل الشرط ماضيا، إلا أن هذا غير متحقق، فلا بدّ من اعتبار (مَن) موصولة مع رفع الفعل بعدها (يكونُ).

ومن الجدير ذكره أن البصريين أنفسهم يجوّزون في الضرورة الشعرية كون (مَن) في هذه الصيغة أداة شرط مع جزم الفعل المضارع بعدها، إنما يمنعون كل هذا في النثر وسَعته.

 وفق المذهب الكوفي:

لا مانع عند الكوفيين أن تتقدم جملة جواب الشرط على أداة الشرط وفعله. وهم يعتبرون دليل جواب الشرط عند حذف جملة جواب الشرط هو الجواب بنفسه. كما أنهم لا يشترطون لحذف جملة جواب الشرط أن يكون فعل الشرط ماضيا، بل يجوز هذا الحذف عندهم حتى لو كان فعل الشرط مضارعا، ويبقون على جزمه واعتبار الأداة العاملة فيه أداة شرط وإن كان الجواب  (أو ما يدل على الجواب عند البصريين) متقدما على جملة الشرط والأداة؛ ولا يعتبرون الأداة في هذه الحالة اسما موصولا كما يذهب إليه البصريون.

فوفق المذهب الكوفي تكون في جملة المسيح الموعود عليه السلام: “فليسمعْ من يكن له أُذُنان”  تكون (مَن) أداة شرط وفعل الشرط بعدها مجزوم (يكُنْ) وجملة جواب الشرط هي الجملة المتقدمة على الأداة وهي: “فليسمع”.

فالكوفيون يجيزون كل هذا في سعة الكلام نثرا وفي الضرورة الشعرية كذلك.

كما أن الكوفيين لا يقولون بدليل الجواب الذي يسد مسده عند الحذف، بل يعتبرون هذا الدليل هو الجواب نفسه.

وعليه فتكون عبارة المسيح الموعود عليه السلام صحيحة لا خطأ فيها ولا خلط، وذلك وفق المذهب الكوفي وبشهادة النحو الوافي. حيث اعتبر حضرته (مَن) شرطية ووجب جزم المضارع بعدها في فعل الشرط مع اعتبار جواب الشرط الجملة المتقدمة (فليسمع).

وعن حالة حذف جواب الشرط وتقدّم الدليل على جملة الشرط، وهو ما يعتبره الكوفيون تقدم جواب الشرط على جملة الشرط،  يقول النحو الوافي ما يلي:

بمناسبة حذف الجواب يعرض النحاة لحالة فعل الشرط، ولتقديم دليل الجواب عليه، والحالات التي يتعين أن تكون فيها بعض الأدوات موصولة، لا شرطية، فيقولون: “إن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو -في الأرجح- دليل الجواب، وليس بالجواب”. وجاء في التسهيل والهمع ما ملخصه: إذا حذف الجواب في السعة وتقدم دليله على أداة الشرط فلا يكون فعل الشرط -في الأصح- إلا ماضيا  لفظا ومعنى بحسب أصله، أو معنى فقط كالمضارع المسبوق بالحرف “لم” -مع ملاحظة ما يأتي في الحكم الرابع- قال سيبويه: “هذا هو الوارد من كلام العرب”.

وإذًا لا يصح عنده الأخذ بالرأي الكوفي الذي يقيس المضارع على الماضي، فيجيز: “أنت كريم إن تصفح”؛ لأن في هذا قياسا لشيء على آخر يخالفه في علة القياس وسببه ... لكن الكوفيين -إلا الفراء- يستشهدون بأمثلة فصيحة تؤيد رأيهم وتقويه -كما سيجيء في ص455- والرأي الأول أقوى وأفصح مع صحة الثاني.

وما سبق مقصور على السّعة أما في الضرورة الشعرية فيصحّ حذف الجواب مطلقا وفعل الشرط مضارع ومنه:

يُثني عليك وأنت أهل ثنائه … ولديك -إن هو يستردك- مزيد

…..فإن كان فعل الشرط المسبوق بدليل الجواب غير ماض وأداة الشرط: “ما”، أو: “من”، أو “أي” وجب في السعة “أي: في غير الضرورة الشعرية” جعلها موصولة وإعطاؤها حكم الموصول، فتقول: أعط من يعطي محمدا؛ وأحب ما يحبه … ، وأكرم أيهم يحبك..؛ برفع المضارع، والمجيء بالعائد، واعتبار الجملة صلة لا محل لها من الإعراب، وصحة عمل العوامل التي قبل الموصول فيه. أما في الضرورة فيجوز بقاء الشرطية والجزم….[النحو الوافي (4/ 450- 451) ]

ويزيد في مسألة مخالفة الكوفيين لكل هذا واعتبارهم  الدليل المتقدم هو الجواب بعينه واعتبار الاداة شرطية رغم تقدم الدليل وفعل الشرط المضارع يقول:

“على أن الكوفيين يعتبرون الدليل المتقدم الذي يصلح جوابا هو الجواب الأصل ولا مانع عندهم أن يتقدم الجواب على أداة الشرط ويخالفون البصريين في هذا.” (النحو الوافي 452)

ومن كل هذا نخلص إلى النتيجة التالية:

_ أن الكوفيين يجوزون تقدم جملة جواب الشرط على أداة الشرط وفعله

_ يجوّز الكوفيون عند تقدم جملة الجواب بقاء الأداة شرطية والفعل بعدها مضارعا مجزوما .

وفي كل هذا يقول النحو الوافي بما يتعلق بأحكام جملة جواب الشرط:

3- وجب تأخيرها؛ فلا يجوز تقديمها ولا تقديم شيء من أجزائها ومعمولاتها على أداة الشرط، ولا على الجملة الشرطية. إلا في حالتين….

4- امتناع حذفها إلا بشرطين:

أولهما: أن يدل دليل عليها بعد حذفها، ولا يصلح جوابا1؛ ويتحقق هذا الشرط بأن يسبقها، أو يكتنفها “أي: يحيط بها”، أو يتأخر عنها، ما لا يصلح جوابا، ولكنه يدل على الجواب المحذوف؛ مثل: “أنت الشجاع إن قلت الحق في وجه الظالم”، أو: “أنت -إن تلطفت في القول- محبوب”. فالجملة الجوابية في المثالين محذوفة؛ لوجود ما يدل عليها؛ وهو الجملة التي قبلها، أو التي تحيط بها، وكلتاهما لا تصلح جوابا. والأصل: أنت الشجاع، إن قلت الحق في وجه الظالم فأنت الشجاع. أنت محبوب، إن تلطفت في القول فأنت محبوب.

ومثال الدال عليها وهو متأخر لا يصح جوابا، قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، أي: فلا تحزن؛ فقد كذبت رسل من قبلك، -كما سيجيء-2 فالدال على الجملة الجوابية قد يكون قبلها، أو بعدها، أو محيطا بها. وهو في كل حالاته لا يصلح جوابا…

ثانيهما: أن يكون فعل الشرط -في غير الضرورة الشعرية، وعند غير الكوفيين-4 ماضيا لفظا ومعنى بحسب أصله، أو معنى فقط؛ كالمضارع المسبوق بالحرف: “لم”. فمثال الماضي لفظا ومعنى: أنت عزيز إن ترفعت عن الدنيا، أو أنت -إن ترفعت عن الدنايا- عزيز … وقول الشاعر:

ونحن أولو المآثر من قديم … وإن جحدت مآثرنا اللئام …

ومثال الماضي معنى لا لفظا قول الشاعر:

لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها … سرور محب أو إساءة مجرم؟

فإن لم يكن فعل الشرط ماضيا بأن كان مضارعا لفظا ومعنى لم يصح -في الأرجح- حذف الجملة الجوابية إلا إن سد مسدها جملة أخرى بعدها تدل عليها، ولا يستقيم المعنى بجعلها هي الجواب؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} ، والأصل: وإن تجهر بالقول فإنه غني عن جهرك، فحذف الجواب الأصلي، وسد مسدة جملة: “فإنه يعلم السر”، وهي جملة بعده شغلت مكانه، ولا يستقيم المعنى على اعتبارها الجواب الحقيقي؛ لأن الجهر بالقول لا يترتب عليه أن الله يعلم السر؛ إذ الله يعلم السر دائما؛ سواء أوجد جهر بالقول أم لم يوجد. ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، والأصل: وإن يكذبوك فلا تحزن، فقد كذبت رسل من قبلك1، ولا يصح أن تكون الجملة المذكورة هي الجواب؛ لأنها ليست مترتبة على ما قبلها. وكذلك قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} فالجواب المحذوف تقديره: فليبادر للعمل الصالح.

والكوفيون لا يشترطون لحذف الجواب أن يكون فعل الشرط ماضيا، بل يجيزون أن يكون مضارعا، ولذا يقولون فيما سد مسده، إنه الجواب الحقيقي، وليس بالدليل، ولا بالساد مسد الجواب، مستدلين بأمثلة كثيرة تؤيدهم، كالآيتين السالفتين، وكقول الشاعر:

لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم … ليعلم ربي أن بيتي واسع

فقد حذف جواب الشرط “إن” مع أن فعله مضارع؛ وهو: “تكُ”، أما جملة “ليعلم X” فهي جواب القسم الذي تدل عليه اللام الداخلة على “إن”، ولا يصح -في الراجح- أن تكون هذه الجملة جوابا للشرط، لأنه متأخر هنا عن القسم، ولأن جوابه لا يكون مبدوءا باللام. وكذلك قول الشاعر:

يثني عليك، وأنت أهل ثنائه … ولديك إن هو يستزدك مزيد

والأصل: إن يستزدك -هو- يستزدك فلديك مزيد.

والأخذ برأي الكوفيين -وإن كان ليس بالأعلى هنا- أنسب وأيسر؛ بسبب الشواهد القوية الكثيرة التي تؤيدهم، وبسبب ما يراه أكثر المحققين، وهو: “أن جواب الشرط قد يكون غير مترتب على فعل الشرط” -كما أوضحناه من قبل.

ومتى اجتمع الشرطان الخاصان بالحذف صار الحذف غالبا، وقيل إنه واجب، والأول أنسب.” [النحو الوافي (4/ 450- 455)]

فوفق هذا النصّ يتضح :

أن الكوفيين يجوّزون حذف جواب الشرط مع فعل الشرط المضارع بنفس الشروط المنطبقة على فعل الشرط الماضي – على اعتبارات الكوفيين- ، وذلك بوجود ما يدل على المحذوف، سواء كان هذا الدليل متقدما أو متأخرا أو مكتنفا لجملة الشرط. ثم يعتبرون هذا الدليل هو الجواب بنفسه. والخلاصة من كل هذا أنهم يبيحون تقدم جواب الشرط على اداة الشرط وفعله، سواء كان هذا صالحا ليكون جوابا للشرط بنفسه أو فقط دالا على الجواب وفق اعتبارات البصريين.

الخلاصة:

ببساطة، فإنه وفق المذهب الكوفي يجوز تقدم جملة جواب الشرط على أداة الشرط وفعله، ويبقى فعل الشرط المضارع في هذه الحالة مجزوما بأداة الشرط؛ وهذا ما ينطبق على عبارة المسيح الموعود عليه السلام المعترَض عليها. فلا خطأ وارد فيها قطّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *